سيد محمد طنطاوي
119
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قرباه هو زرع لقابيل - وكان صاحب زرع - وكبش لهابيل - وكان صاحب غنم - فتقبل من أحدهما وهو هابيل ولم يتقبل من الآخر وهو قابيل . وكانت علامة التقبل أن تأكل نار نازلة من السماء القربان المتقبل وتترك غير المتقبل « 1 » . والمعنى : واتل - يا محمد - على هؤلاء الحسدة من اليهود ، وعلى الناس جميعا قصة قابيل وهابيل ، وقت أن قربا قربانا للَّه - تعالى - فتقبل اللَّه - عز وجل - قربان أحدهما - وهو هابيل - لصدقه وإخلاصه ، ولم يتقبل من الآخر - وهو قابيل - بسوء نيته وعدم تقواه . ثم حكى - سبحانه - ما دار بين الأخوين من حوار فقال : * ( قالَ لأَقْتُلَنَّكَ ) * أي قال قابيل متوعدا أخاه هابيل : لأقتلنك بسبب قبول قربانك ، دون قرباني ، فأنت ترى أن هذا الأخ الظالم قد توعد أخاه بالقتل - وهو من أكبر الكبائر . دون أن يقيم للأخوة التي بينهما وزنا ودون أن يهتم بحرمة الدماء وبحق غيره في الحياة والذي حمله على ذلك الحسد له على مزية القبول . وقد أكد تصميمه على قتله لأخيه بالقسم المطوى في الكلام والذي تدل عليه اللام . ونون التوكيد الثقيلة أي واللَّه لأقتلنك بسبب قبول قربانك . وهنا يحكى القرآن الكريم مارد به الأخ البار التقى هابيل على أخيه الظالم الحاسد قابيل ، فيقول : * ( إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّه مِنَ الْمُتَّقِينَ ) * . أي : قال هابيل لقابيل ناصحا ومرشدا : إنما يتقبل اللَّه الأعمال والصدقات من عباده المتقين الذين يخشونه في السر والعلن وليس من سواهم من الظالمين الحاسدين لغيرهم على ما آتاهم اللَّه من نعم ، فعليك أن تكون من المتقين لكي يقبل منك اللَّه . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف كان قوله : * ( إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّه مِنَ الْمُتَّقِينَ ) * جوابا لقوله : * ( لأَقْتُلَنَّكَ ) * ؟ قلت : لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله على توعده بالقتل قال له : إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى ، لا من قبلي ، فلم تقتلني ؟ ومالك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى اللَّه التي هي السبب في القبول ؟ فأجابه بكلام حكيم مختصر جامع لمعان . وفيه دليل على أن اللَّه - تعالى - لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متق « 2 » . ثم انتقل الأخ التقى من وعظ أخيه بتطهير قلبه ، إلى تذكيره بحقوق الأخوة وما تقتضيه من بر وتسامح فقال - كما حكى القرآن عنه - * ( لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّه رَبَّ الْعالَمِينَ ) *
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 130 ( 2 ) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 2 ص 461 .